طفل صغير ..سرطان بحري ...دجاجة منفوشة
إنه هزيع الليل حيث السديم يغلف أروقة المدينة القديمة..سكون يلف بوءس المنازل الأيلة للسقوط..وبعض السكارى يتجرعون النبيذ الأحمر في كؤوس بلاستيكية بيضاء.
في إحدى البيوت البائسة..كان الطفل يجلس قرفصاءا منزويا وحيدا وخائفا، يشاهد المنظر الروتيني..ظل رجل مشوه يقوم برفس إمرأة في مقتبل العمر، يضربها.. كانت مستسلمة للجر والرفس والسب، إنه الإستسلام التاريخي للأقوى.
تعود الطفل علي روءية هذه المشاهد في كل ليلة، رجل مشوه لايراه إلا ليلا قالت له أمه إنه سبب وجوده. كان غريب المشية بين الأعرج والزاحف حيث يجر رجله اليسرى بيده ويخطو باليمنى خطواته الكبيرة والسريعة..هذه الطريقة جعلت منه مائلا بإستمرار كبرج بيزا ...لكنه لم يكن البرج البتة ...كانت خطواته تعني الكثير للطفل ..تعني قوة هذا الرجل وقدرته علي الإستمرار في هذا الوجود البائس..حيت الناس هامشيون هنا ..بدون مستقبل سوى ما سيحدث في اليوم التالي ..الألم يعصره ..يعصر قلبه الفتي..هناك أشياء خلقت في الوجود عبثا كالمشوه وخطواته الكبيرة ، كأمه والناموس ..والبق الذي يهاجمه ليلا..وكذلك كالإحتضار الذي عايشه مع دجاجته المنفوشة العنق.
ماتت الدجاجة بعدما رأها تحتضر، لم يستطع فعل شئ لها، لم تكن له الشجاعة حتى لدفنها، بعد أن كانت صوصا أصبحت دجاجة منفوشة العنق، ثم ماتت، قام بإحضار السكين وذبحها، "أكل الجيفة حرام:"، هذا ما سمعه في خطبة صلاة الجمعة، لم يبال بالأمر، سيقليها في الزيت ويأكلها لحمة لحمة، يعرف منذ إحتضار الدجاجة أنه سيبقى وحيدا، لن يجد من يداعب ومن يحاكيه أمسيات أمه والرجل المشوه...لا يستطيع الطفل لعب الكرة مع الأخرين فبنيته الجسدية لا تسمح له باللهاث وراء الكرة المطاطية كالأبله، هكذا يراهم...بلهاء . كانت متعته الوحيدة هي الذهاب إلي الشاطيء ...روءية الرمال والصخور ذي النتوءات الحادة...التفكير في دجاجته..السكر الذي يحب أكله، في الشاحنات الكبري والطرق الإسفلتية الجديدة التي تختلف عن طرق مدينته الصغيرة التي تغير إسمها ليصبح الحارة...
كان يحلم بأن يصيح بطل حارته ..بأن يجمع سكانها ويرحل إلى منطقة خاوية حيث يبنون شيئا جديدا ..شيئا لايوجد فيه لا المشوه ولا البعوض الذي يمص الدم ليبيعه إلى العناكب الأسيوية الكبيرة..سيكون هناك دجاج كثير ولن يدبح دجاجة جيفة..سيكون كذلك الكثير من السكر حيث يستطيع تقاسمه مع النمل، ستكون لديه شاحنة كبيرة يقل فيها إبنة الجيران كل أسبوع لفسحة قصيرة ...سيكون ويكون ويكون ...
فليعش إذا ...إلي حين...هكذا قال لنفسه .. مطأطأ رأسه الخفيف ..هبت ريح الشمال أشعرته بقشعريرة خفيفة جعلته يرفع رأسه عاليا للسماء ..سحب كثيفة تحجب زرقتها الصافية ..أنه فصل شتاء...سيذهب الشتاء وتذهب مع السحب..ولن تبقى إلا هذه الأشياء الجامدة والحياة الجامدة....
(سرطان بحري يحاول الوصول جاهدا للماء).....
متمردة . طرابلس لا أذكر التاريخ


نصك بديع يحتفى برموزه التي تشف كلما أوغلت فيه
ردحذف...
راق لى تواجدى الأول هنا..وحتماً سأعود
دمتى مبدعة...تحياتى